top of page
شعار MENA2050 (تم تعديله).png

حيث تفوح رائحة المستقبل بالملح والصلب والمخاطرة

12 أبريل 2026

Go
فرانك تيتزل



بواسطة



تهبّ الرياح من بحر العرب، حاملةً معها الملح والغبار والحرارة عبر ميناء الدقم. تقف الرافعات شامخةً في سماءٍ باهتة، وترتفع خزانات التخزين من باطن الأرض، وخلفها يبدو الماء هادئًا، مُخفيًا حجم التحوّل الجاري. للوهلة الأولى، لا يبدو هذا الساحل في عُمان وكأنه المكان الذي يُصاغ فيه نظام طاقة جديد. ومع ذلك، فهذا هو ما يحدث بالفعل. ففي جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لم يعد الهيدروجين مجرد وعدٍ مُغلّفٍ بخطاباتٍ مناخية، بل أصبح بنيةً تحتيةً ورأس مالٍ ولوجستياتٍ واستراتيجية. ما يتشكّل هنا ليس سوقًا تقليديًا، بل جغرافيةٌ للقوة.

لسنوات، وُصف الهيدروجين بأنه جزيء المستقبل النظيف، وكأنه سيصبح سلعة عالمية تُتداول عبر القارات بكفاءة النفط والغاز الطبيعي المسال. لكن الواقع الناشئ في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مختلف تمامًا. فقد أُعلن عن التزامات استثمارية تتجاوز 150 مليار دولار في المنطقة، بينما تجاوزت الالتزامات العالمية 110 مليارات دولار، مع اتفاقيات شراء لأكثر من أربعة ملايين طن حتى عام 2030. ومع ذلك، لا يُنتج هذا سوقًا عالميًا موحدًا، بل يُنتج ممرات. فالهيدروجين لا يتدفق ببساطة إلى حيث تكون الأسعار أعلى، بل يعتمد على تجمعات الإنتاج، ومحطات التحويل، والموانئ، وخطوط الأنابيب، والمشترين الصناعيين، والعقود طويلة الأجل التي يجب أن تعمل معًا. وبهذا المعنى، يُعد الهيدروجين أقل من كونه سلعة تقليدية، وأكثر من كونه سلسلة من التبعيات.

 

منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في قلب الخريطة الجديدة

يُفسر هذا الواقع الهيكلي أهمية منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فالمنطقة تجمع بين انخفاض تكاليف الطاقة المتجددة، واتساع رقعة أراضيها، وخبرتها التصديرية، وسواحلها الاستراتيجية، وموقعها الاستراتيجي بين أوروبا وآسيا وأفريقيا. إنها ليست مجرد منطقة إمداد، بل هي محورٌ قد تتأرجح عليه تدفقات الطاقة المستقبلية. وتُجسد سلطنة عُمان هذا الأمر بوضوحٍ تام. ففي الدقم، لا يقتصر الهدف على زيادة إنتاج الهيدروجين فحسب، بل بناء نظام بحري متكامل من الصفر. ويتم التخطيط للإنتاج، والتحويل إلى مشتقات قابلة للنقل مثل الأمونيا، والخدمات اللوجستية للتصدير، وتنويع المسارات بشكل متكامل. ولا تكمن أهمية الدقم في طموحها الصناعي فحسب، بل أيضاً في موقعها خارج مضيق هرمز. وفي هذا السياق، تتشكل استراتيجية عُمان للهيدروجين بقدر ما تتشكل من خلال أمن المسارات بقدر ما تتشكل من خلال إمكانات الإنتاج.

على النقيض من ذلك، اختارت المملكة العربية السعودية الحجم والوضوح. يُعد مشروع نيوم، الذي يُخطط لإنتاج حوالي 650 طنًا من الهيدروجين يوميًا، أحد أبرز مشاريع الهيدروجين في العالم. إنه مشروع يُشير بوضوح إلى الطموح الصناعي. ومع ذلك، فإن ضخامة نيوم تكشف أيضًا عن هشاشة النظام الأوسع. فمشروع بهذا الحجم لا يعتمد فقط على الكهرباء الرخيصة والدعم الحكومي، بل أيضًا على بقاء الممرات البحرية مفتوحة وقابلة للإدارة السياسية. وهذا الافتراض لم يعد مضمونًا. لذا، تُمثل المملكة العربية السعودية حجم الطموح الإقليمي وهشاشة الاعتماد على الصادرات البحرية.

تقدم مصر صورة مختلفة لمستقبل الهيدروجين. ففي العين السخنة، قرب قناة السويس، لا يُبنى اقتصاد الهيدروجين كرؤية تصديرية مجردة، بل كامتداد للقدرات الصناعية القائمة. ويجري ربط الهيدروجين والأمونيا الخضراء بإنتاج الأسمدة والمواد الكيميائية والبنية التحتية التصديرية الراسخة. ويُقدّر مشروع "مصر للهيدروجين الأخضر" في العين السخنة، المدعوم من خلال آلية H2Global، بنحو 397 مليون يورو. هنا، لا يأتي التحول الطاقي إلى أرض قاحلة، بل يندمج في ممر صناعي قائم. ومن المرجح أن يصبح هذا أحد أهم نقاط قوة مصر في منطقة تزداد اضطراباً.

في غضون ذلك، تتبنى المغرب إحدى أكثر الاستراتيجيات السياسية تطوراً في المنطقة. فهي لا تعتمد فقط على آمال التصدير أو الطلب الأوروبي، بل تربط الهيدروجين بالتحول الصناعي المحلي، لا سيما من خلال منظمة التعاون الإسلامي وقطاع الأسمدة، مع انفتاحها في الوقت نفسه على شركاء أوروبيين وخليجيين وصينيين. وقد حددت منظمة التعاون الإسلامي أهدافاً لإنتاج مليون طن من الأمونيا الخضراء سنوياً بحلول عام 2027، وثلاثة ملايين طن بحلول عام 2032. وهذا يمنح المغرب ما تفتقر إليه العديد من الدول المنتجة للهيدروجين، ألا وهو ركيزة الطلب الصناعي المحلي. وفي الوقت نفسه، تسعى البلاد إلى ترسيخ مكانتها بالقرب من البنية التحتية المستقبلية للهيدروجين في أوروبا دون أن تصبح معتمدة عليها وحدها. فالمغرب قريب من أوروبا، لكنه ليس معتمداً عليها استراتيجياً. وهكذا، تبرز المغرب كفاعل متنوع في مجال الهيدروجين، يربط بين مكانتها التصديرية والتنمية الصناعية المحلية.


إيران ومضيق هرمز كاختبار للواقع الاستراتيجي

منذ التصعيد الذي شمل الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في 28 فبراير 2026، وما تلاه من حصار فعلي لمضيق هرمز، دخلت قصة الهيدروجين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في بيئة استراتيجية أكثر تقييدًا. فقد انهار النقل البحري عبر هرمز بشكل حاد، وتشير التقارير إلى أن حوالي 95% من حركة النقل قبل الحرب قد توقفت في بعض الأحيان. بالنسبة للنفط والغاز، تُعد هذه الأزمة خطيرة، أما بالنسبة للهيدروجين، فهي أكثر دلالة. فالنظام الطاقي الجديد أكثر جمودًا من النظام القديم. ويمكن إعادة توجيه النفط بسهولة أكبر في سوق عالمية راسخة. بينما يعتمد الهيدروجين ومشتقاته على بنية تحتية متزامنة بدقة، وعلى موانئ محددة، ومرافق تحويل، وشروط تأمين، واتفاقيات شراء. وعندما يضعف أحد هذه الروابط، يصبح الممر بأكمله عرضة للخطر.

لذا، لم تقتصر آثار الحرب على تغيير طرق النقل فحسب، بل غيّرت أيضاً ترتيب الأولويات. فقد باتت نماذج التصدير البحري في الخليج تحمل فجأةً مخاطر جيوسياسية أعلى بكثير. واكتسبت خيارات خطوط الأنابيب في شمال أفريقيا أهمية جديدة. واكتسبت مصر جاذبية استراتيجية للمشترين الأوروبيين لقربها وتكاملها الصناعي وقلة اعتمادها المباشر على مضيق هرمز. أما الجزائر وتونس، اللتان غالباً ما تُعاملان كلاعبين ثانويين، فقد بدأتا تظهران بصورة مختلفة عند النظر إلى سعي أوروبا لإيجاد خيارات إمداد أكثر مرونة تعتمد على خطوط الأنابيب. لم يعد السؤال ببساطة من يستطيع إنتاج الهيدروجين بأقل تكلفة، بل من يستطيع إيصاله عبر ممر يظل فعالاً حتى في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها المنطقة.

 

لا تزال أوروبا مهمة، ولكن بشكل مختلف.

لا تزال أوروبا أهم سوق متميزة في هذا النظام الناشئ. ومن المتوقع أن يأتي منها جزء كبير من الطلب المستقبلي، لا سيما من قطاعات الصناعة والكيماويات والصلب والنقل. كما أنها لا تزال المرجع التنظيمي للعديد من المشاريع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وقد قامت سلطنة عُمان، على وجه الخصوص، بمواءمة جزء كبير من استراتيجيتها مع قواعد الاتحاد الأوروبي بشأن الامتثال التنظيمي للبنية التحتية الحيوية (RFNBO)، معتبرةً الشهادة الأوروبية أساسًا لجدوى التصدير في المستقبل، وليس مجرد تفصيل تقني. ومع ذلك، هنا تحديدًا يبرز توتر آخر. فبينما تظل أوروبا سوقًا محورية، إلا أنها تزداد غموضًا كشريك استراتيجي. فإذا أصبحت القواعد أكثر تعقيدًا، أو إذا خففت أوروبا المعايير التي شجعت شركاءها على اتباعها، فإن المصداقية ستصبح مشكلة. لا يحتاج المستثمرون في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى الطلب الأوروبي فحسب، بل يحتاجون إلى الثقة بأن أوروبا ستظل وجهة مستقرة وموثوقة للجزيئات الخضراء المتوافقة مع المعايير على مدى سنوات عديدة.

يضع هذا أوروبا في موقف هيكلي حرج. فهي لا تزال السوق الرئيسية في الأفق، لكنها لم تعد المهندس الوحيد للنظام. إنها تنظم أكثر مما تبني، وتستورد أكثر مما تنتج. وبينما تناقش المعايير، تعمل جهات فاعلة أخرى على تشكيل الأسس المادية للنظام الجديد.

 

الظل الصيني عبر الصحراء

تُعدّ الصين أحد هذه الجهات الفاعلة، ويتجلى حضورها بشكل أقل وضوحًا في المشهد الظاهر، وأكثر في البنية التحتية الصناعية التي تقف وراءه. فالصين ليست مجرد منتج آخر للهيدروجين، بل هي مهندس النظام الصناعي الذي يُشكّل السوق. إذ تستحوذ على نحو 60% من الطاقة الإنتاجية العالمية لأجهزة التحليل الكهربائي، حيث تبلغ تكلفة إنتاج الهيدروجين حوالي 3.21 دولارًا أمريكيًا للكيلوغرام الواحد في الصين، مقارنةً بنحو 8 دولارات في ألمانيا. كما أن تكلفة أجهزة التحليل الكهربائي أقل بكثير. وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يتزايد حضور الشركات الصينية في مشاريع تمتد من المغرب إلى عُمان والسعودية، حيث تُقدّم التكنولوجيا والطاقة الإنتاجية، وفي بعض الحالات تُساهم في توطين الإنتاج.

هذا الأمر بالغ الأهمية لأنه يُغيّر بنية التبعية. قد تُوفّر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الشمس والأرض والموانئ، وقد تُوفّر أوروبا الطلب، لكن الصين تُوفّر بشكل متزايد المعدات الصناعية التي تجعل إنتاج الهيدروجين على نطاق واسع مُجدياً. هذا يعني أن المنطقة لا تقتصر على الموازنة بين أسواق التصدير فحسب، بل تُصبح أيضاً نقطة التقاء بين أنظمة صناعية مُتنافسة. تُوفّر أوروبا التنظيم والطلب المُميّز، بينما تُوفّر الصين التكلفة والسرعة وعمق التصنيع. منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في الوقت الراهن، هي المكان الذي تتلاقى فيه هذه القوى.

 

لماذا تُعد هذه الورقة البحثية مهمة الآن؟

ما يجعل هذه اللحظة بالغة الأهمية هو أن المصطلحات القديمة لوصف التحول الطاقي لم تعد تعكس الواقع. فالهيدروجين لا يظهر في عالم ما بعد الجيوسياسية، بل يظهر في عالم يتسم بنقاط الاختناق والحروب والتنافس الصناعي والتبعيات الاستراتيجية طويلة الأمد. لم تخلق الحرب الإيرانية هذه الحقيقة، لكنها كشفتها بوضوح غير مسبوق. وأظهرت أن مستقبل الهيدروجين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لن يُحسم فقط بتكاليف الإنتاج أو أهداف المناخ، بل أيضاً بالأمن البحري، ومرونة خطوط النقل، والمصداقية الصناعية، والصمود السياسي.

تتناول هذه الورقة السياساتية الواقع كما هو، من موانئ عُمان إلى المناطق الصناعية في مصر، ومن طموح السعودية إلى سياسات المغرب متعددة الأوجه، ومن التأثير التنظيمي الأوروبي إلى النفوذ الصناعي الصيني. وتجادل بأن السؤال لم يعد يدور حول ما إذا كان الهيدروجين قادمًا، بل السؤال الحقيقي هو من سيسيطر على مسارات نقله، وكيف ستُبنى السلطة حولها.


اقرأ الورقة السياسية كاملةً:


يشارك

آخر التحديثات

27 مايو 2026

Anchoring Stability - India & Israel Cooperation in the Mediterranean region

By Mahesh Adithya Venkateswaran and Dr. Nir Levitan A growing pattern of regional convergence is res...

9 مايو 2026

IMEC and the New Geoeconomic Order

Introduction This paper examines the transformation of the India–Middle East–Europe Corridor (IMEC) ...

27 أبريل 2026

The Middle East and IMEC: Intersubjectivity and the Lexicon of Regional Order

By Abdelkarim Rostami     Outline  1.  Introduction  2. IMEC as the New Language of Regional Order  ...

bottom of page