ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا (IMEC) والنظام الجيواقتصادي الجديد
9 مايو 2026
مقدمة
تتناول هذه الورقة البحثية تحوّل ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا (IMEC) في سياق التحولات الجيوسياسية والاقتصادية العميقة في الشرق الأوسط، ولا سيما الحرب مع إيران. وتسعى إلى تجاوز الإطار الجيوسياسي الضيق لممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا باعتباره مبادرة دبلوماسية أو مشروع بنية تحتية، وتحليله بدلاً من ذلك كنظام اقتصادي جيوسياسي ناشئ يتشكل بفعل البنية التحتية وسلاسل التوريد وتدفقات الطاقة والبنى الرقمية.
تتمحور الحجة الرئيسية حول أن الممر الاقتصادي الدولي للتبادل بين الهند وأوروبا (IMEC) لم يعد مجرد ممر خطي يربط الهند بأوروبا عبر الشرق الأوسط، بل يتطور ليصبح نظامًا متعدد المسارات والجهات الفاعلة، ضمن نظام إقليمي وعالمي سريع التغير. هذا التحول مدفوع بفرص وتحديات في آن واحد: توسع نطاق الاتصال في جميع أنحاء المنطقة، والتفتت المتزامن للحوكمة والتنسيق والتوافق الاستراتيجي.
في الوقت نفسه، كشفت الحرب مع إيران عن هشاشة الجغرافيا الاقتصادية القائمة، ولا سيما الاعتماد على الممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز. وقد عجّلت هذه الحرب بتطوير طرق بديلة، وأدت إلى إعادة نظر أوسع في مفاهيم الصمود والسيادة والقوة.
تُشير الورقة البحثية إلى أن مبادرة IMEC تقف عند مفترق طرق حاسم. فبدون خطة رئيسية شاملة وإطار عمل متكامل، فإنها تُخاطر بتعزيز التجزئة والتنافس بين المشاريع الوطنية. أما بوجود مثل هذا الإطار، فيمكنها أن تتطور إلى منصة للتكامل الإقليمي وتعزيز المرونة، قادرة على مواءمة مختلف الجهات الفاعلة والأنظمة ضمن بنية متماسكة.
الجغرافيا الاقتصادية كساحة جديدة للقوة
يشهد الشرق الأوسط تحولاً هيكلياً من الجغرافيا السياسية الكلاسيكية، التي تتمحور حول السيطرة الإقليمية والقوة العسكرية، إلى الجغرافيا الاقتصادية، حيث تُمارس القوة بشكل متزايد من خلال السيطرة على البنية التحتية وشبكات الخدمات اللوجستية وأنظمة الطاقة والتدفقات الرقمية.
تمثل الحرب مع إيران لحظةً محوريةً في هذا التحول. فهي تُنهي حقبةً طويلةً من "المنطقة الرمادية" التي اتسمت بعدم الاستقرار المُدار، والصراعات بالوكالة، والتصعيد المُتدرج. وبدلاً من ذلك، تحوّل بؤرة الصراع نحو الاستهداف المباشر للعمق الاقتصادي والبنية التحتية الحيوية، بما في ذلك الموانئ ومنشآت الطاقة وسلاسل الإمداد.
في هذا السياق الناشئ، يُعاد تعريف السيادة نفسها. لم تعد تُقاس في المقام الأول بالقدرة على الدفاع عن الحدود، بل بالقدرة على الحفاظ على الأداء الوظيفي في ظل الضغوط: استدامة تدفقات الطاقة، والحفاظ على استقرار السوق، وضمان استمرارية المؤسسات. باتت القوة مرتبطة بشكل متزايد بالمرونة: القدرة على استيعاب الصدمات، والتكيف، والصمود.
كما يجري إعادة صياغة مفهوم الردع. فلم يعد الأمر يتعلق بمنع الهجمات، بل بتقليل أثرها الاستراتيجي. وتكتسب الدول القادرة على مواصلة العمل رغم الاضطرابات ميزة حاسمة. ويرفع هذا التحول معياراً جديداً للقوة: الدولة المرنة، التي تكمن قوتها في متانة مؤسساتها، وتنوع اقتصادها، وقدرتها على إدارة الأزمات.
بديل
كان من أبرز النتائج المباشرة للحرب كشف هشاشة الممرات البحرية الحيوية، ولا سيما مضيق هرمز. وقد أبرز انقطاع تدفقات الطاقة عبر هذا الشريا ن الحيوي المخاطر النظامية المرتبطة بالتمركز الجغرافي.
واستجابةً لذلك، قامت الدول والجهات الفاعلة الخاصة بتسريع تطوير طرق النقل والطاقة البديلة، بما في ذلك:
·
·
•
·
·
·
يعكس هذا الانتشار تحولاً استراتيجياً نحو التكرار والتنويع والخيارات المتعددة. لم يعد الهدف هو الكفاءة وحدها، بل المرونة، أي القدرة على الحفاظ على التدفقات في ظل ظروف الاضطراب.
إلا أن هذا التوسع لم يصاحبه اندماج. بل أدى إلى ظهور مشهد مجزأ من المبادرات المتوازية، التي غالباً ما يتم تطويرها بشكل مستقل وأحياناً في منافسة مع بعضها البعض.
العوامل الجيوسياسية للتفتت
لا يمكن فهم انتشار الطرق البديلة والتحول نحو أنظمة الممرات المتعددة دون النظر إلى إعادة التشكيل الجيوسياسي الأوسع نطاقًا الذي أحدثته الحرب مع إيران. فالحرب ليست مجرد تصعيد عابر، بل هي حدث محوري يُعيد تشكيل النظام الإقليمي، وبالتالي منطق التواصل.
أولاً، أدى ذلك إلى زعزعة بنية الأمن القائمة. فقد اضطرت دول الخليج إلى إعادة تقييم اعتمادها على الضمانات الأمنية الخارجية، لا سيما من الولايات المتحدة. ويدفع الشعور بأن الترتيبات التقليدية غير كافية لضمان الاستقرار إلى البحث عن مزيد من الاستقلالية الاستراتيجية، بما في ذلك من خلال تنويع الشبكات الاقتصادية واللوجستية.
ثانيًا، أدت الحرب إلى تفاقم التنافس الإقليمي، لا سيما بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. وبينما تسعى الدولتان إلى تبني استراتيجيات طموحة للربط، فإن نهجيهما يتباعدان بشكل متزايد. تركز المملكة العربية السعودية على التكامل الإقليمي واسع النطاق، والتنمية الصناعية، وممر البحر الأحمر كمحور استراتيجي. في المقابل، تواصل الإمارات العربية المتحدة تطوير نموذج قائم على الشبكات يتمحور حول الموانئ ومراكز الخدمات اللوجستية والربط العالمي. لا تتعارض هذه الاستراتيجيات المختلفة بالضرورة، ولكنها غالبًا ما تُنفذ بشكل منفصل، مما يعزز مسارات التنمية المتوازية بدلًا من التخطيط المنسق.
ثالثًا، تُسرّع الحرب من ظهور تشكيلات جيوسياسية جديدة. فالتحالفات أصبحت أكثر مرونة وتعددًا في الأبعاد، مدفوعة بالمصالح، ومدمجة بين الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والتكنولوجية. وتتداخل جهات فاعلة خارجية، بما فيها الولايات المتحدة والصين وروسيا والهند، مع هذه الديناميكيات، حيث يتبنى كل منها منطقًا استراتيجيًا متميزًا. وبدلًا من أن تُنتج هذه العملية نظامًا مهيمنًا واحدًا، فإنها تُولّد أنظمة تحالف متداخلة ومتنافسة جزئيًا.
تُعزز هذه التطورات مجتمعةً حالةً هيكليةً من التجزئة. صحيحٌ أن الترابط يتوسع، إلا أنه يتشكل بفعل استراتيجيات وطنية متباينة، وتحالفات متغيرة، ورؤى متنافسة للنظام الإقليمي. وفي الوقت الراهن، يتسم تطوير الممرات بما يلي:
•
•
•
استراتيجيات استثمارية
تسعى كل دولة إلى ترسيخ مكانتها كمركز محوري أو بوابة رئيسية. وينتج عن ذلك ازدواجية في البنية التحتية، وتخصيص غير فعال للموارد، وتزايد التنافس الاستراتيجي. والنتيجة هي حالة يمكن وصفها بأنها اتصال دون تكامل: تتوسع البنية التحتية، لكنها لا تتكامل ضمن نظام متماسك قادر على توليد قيمة اقتصادية واستراتيجية مستدامة.
في هذا السياق، لا يؤدي تعدد المسارات تلقائياً إلى التكامل. بل على العكس، فبدون تنسيق، يُخاطر ذلك بترسيخ التجزئة، مما يجعل الحاجة إلى إطار عمل على مستوى النظام وبنية تكاملية أكثر إلحاحاً.
من التجزئة إلى التكامل: مركز IMEC كمنصة والطبقة الاستراتيجية المفقودة
في هذا السياق، يجب إعادة صياغة مفهوم الممر الاقتصادي الدولي (IMEC). لا ينبغي فهمه كممر خطي واحد، بل كمنصة للتكامل عبر مسارات وقطاعات وجهات فاعلة متعددة. دوره ليس التنافس مع الممرات الأخرى، بل تمكين التنسيق والتكامل فيما بينها.
