الألعاب: عامل محفز للتحول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
12 مارس 2025
الألعاب: عامل محفز للتحول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
تتبوأ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مكانةً رائدةً عالميًا في مجال الألعاب، حيث يُتوقع أن تُحدث هذه الصناعة ثورةً في اقتصاد المنطقة وثقافتها وتطورها التكنولوجي. ومع تطلعنا إلى المستقبل، يتضح جليًا أن الألعاب ليست مجرد وسيلة ترفيه، بل هي محركٌ للتغيير الإيجابي في جميع أنحاء المنطقة. تستكشف هذه المدونة التأثير المتعدد الأوجه للألعاب على المنطقة، وكيف تُسهم في بناء مستقبلٍ أفضل لشعوبها.
يشهد قطاع الألعاب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نموًا غير مسبوق. وتشير التوقعات الحديثة إلى أن الإنفاق في هذا القطاع سيصل إلى 2.87 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2028، مما يُبرز الفرص المالية المتاحة، فضلًا عن ثقافة الترفيه المتطورة في هذه الدول. وقد بلغت قيمة سوق الألعاب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حوالي 4 مليارات دولار أمريكي في عام 2023، حيث استحوذت ألعاب الهاتف المحمول على نحو 80% من هذا السوق. ويعود هذا النمو إلى وجود شريحة واسعة من الشباب الملمين بالتكنولوجيا، وانتشار الهواتف الذكية، والمبادرات الحكومية الداعمة لتنويع اقتصادات المنطقة، فضلًا عن الآثار طويلة الأجل المترتبة على المنطقة.
يشهد سوق الألعاب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نموًا أسرع من العديد من المناطق الأخرى حول العالم، مدفوعًا بعدة عوامل رئيسية. تتميز المنطقة بكثافة سكانية شابة، حيث يزيد عدد السكان دون سن الثلاثين عن 60%، وهم بطبيعتهم يميلون إلى الترفيه الرقمي. وتُعد ألعاب الهاتف المحمول محركًا هامًا آخر، إذ تُتيح معدلات انتشار الهواتف الذكية في دول مثل السعودية والإمارات ومصر إمكانية الوصول إلى الألعاب لجمهور أوسع. ووفقًا لتقرير صادر عن شركة نيوزو، تُشكل ألعاب الهاتف المحمول ما يقارب 58% من إجمالي سوق الألعاب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
يلعب الدعم الحكومي دوراً محورياً أيضاً. تستثمر دول مجلس التعاون الخليجي، ولا سيما المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، بكثافة في قطاعي الألعاب الإلكترونية والرياضات الإلكترونية لتنويع اقتصاداتها بعيداً عن النفط. فعلى سبيل المثال، تركز رؤية السعودية 2030 على تعزيز قطاع الترفيه، من خلال مبادرات مثل صندوق الاستثمارات العامة السعودي الذي يستثمر في شركات الألعاب العالمية لترسيخ مكانة المملكة كدولة رائدة في هذا المجال.

مصدر الصورة: غيتي إيميجز
يشهد سوق الألعاب نموًا ملحوظًا بفضل تقبّل الثقافة المحلية وتوطينها. وقد ساهم إطلاق الألعاب باللغة العربية، والمحتوى ذي الصلة بالثقافة، وتوفر بنية تحتية متطورة للإنترنت فائق السرعة، في جعل الألعاب ظاهرة ثقافية رائجة. وتُعدّ المملكة العربية السعودية حاليًا أكبر سوق للألعاب في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بفضل مجتمعها النشط وقدرتها الشرائية العالية. أما الإمارات العربية المتحدة، فهي مركز إقليمي لفعاليات الألعاب، بينما يركز سوق مصر سريع النمو بشكل كبير على ألعاب الهواتف المحمولة.
يُعدّ صعود الرياضات الإلكترونية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ملحوظًا أيضًا. تجذب البطولات الكبرى جماهير غفيرة، سواءً عبر الإنترنت أو حضوريًا، مما يخلق مساحات اجتماعية جديدة وفرصًا للتبادل الثقافي. وتشير توقعات Statista إلى أن إيرادات سوق الألعاب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من المتوقع أن تصل إلى 15.25 مليار دولار أمريكي في عام 2024، بمعدل نمو سنوي يصل إلى 22.28 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2029. وتؤكد هذه التوقعات التوسع السريع والإمكانات الهائلة لقطاع الألعاب ف ي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
أصبحت الألعاب الإلكترونية وسيلةً مهمةً للتعبير الثقافي والحفاظ عليه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. يعمل مطورو الألعاب المحليون على ابتكار ألعاب تعكس التراث الثقافي الغني للمنطقة، مما يُسهم في مشاركة قصصها ووجهات نظرها مع جمهور عالمي. تُبرز ألعاب مثل "Unearthed: Trail of Ibn Battuta" تاريخ المنطقة وثقافتها، وتعزز التفاهم الثقافي والاعتزاز به. كما تُساعد الطبيعة العالمية للألعاب الإلكترونية على تقريب المسافات الثقافية بين منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وبقية العالم. وتُتيح ألعاب اللاعبين المتعددين عبر الإنترنت وبطولات الرياضات الإلكترونية الدولية مساحاتٍ للتفاعل والتفاهم بين الثقافات.
يُسهم نمو صناعة الألعاب في زيادة الطلب على المحتوى المُعَرَّب والألعاب العربية. ولا يقتصر هذا التوجه على تسهيل وصول الجمهور المحلي إلى الألعاب فحسب، بل يُتيح أيضًا فرصًا لمُنشئي المحتوى والمترجمين العرب. ويُساعد التركيز على التعريب في الحفاظ على اللغة العربية وتعزيزها في العالم الرقمي.
تلعب الألعاب الإلكترونية دورًا محوريًا في تنمية مهارات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات لدى الشباب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فمن خلال تطوير الألعاب وتعديلها، يكتسب الشباب المتحمسون خبرة عملية في البرمجة، والنمذجة ثلاثية الأبعاد، وحل المشكلات. وتُعد هذه المهارات ذات قيمة عالية في سوق العمل الحديث، وتساهم في إعداد القوى العاملة في المنطقة للاقتصاد الرقمي.
تُطبَّق مبادئ تصميم الألعاب في التعليم من خلال توظيف عناصر الألعاب. يُسهم هذا النهج في جعل التعلّم أكثر جاذبية وتفاعلية، لا سيما في مواد مثل الرياضيات والعلوم. تُساعد الألعاب التعليمية المطوّرة في المنطقة على تحسين مخرجات التعلّم وجعل التعليم أكثر سهولة ومتعة. تُعزّز الألعاب متعددة اللاعبين والرياضات الإلكترونية مهارات شخصية مهمة مثل العمل الجماعي والتواصل والتفكير الاستراتيجي. تُعدّ هذه المهارات أساسية في بيئة العمل الحديثة، وتُساعد في إعداد كوادر مهنية متكاملة قادرة على النجاح في بيئات عمل متنوعة.
يُعزز ازدهار الرياضات الإلكترونية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الشعور بالانتماء والتنافس الصحي. وتجذب البطولات الكبرى جماهير غفيرة، سواء عبر الإنترنت أو حضورياً، مما يخلق مساحات اجتماعية جديدة وفرصاً للتبادل الثقافي. وتُوفر فرق الرياضات الإلكترونية ومجتمعات المشجعين شعوراً بالانتماء والهدف المشترك للعديد من الشباب في المنطقة. كما تُستخدم الألعاب بشكل متزايد كأدوات للتأثير الاجتماعي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تتناول الألعاب الجادة قضايا مثل
تكتسب قضايا الحفاظ على البيئة، والتوعية بالصحة النفسية، والاندماج الاجتماعي شعبية متزايدة. ولا تقتصر هذه الألعاب على كونها مسلية فحسب، بل إنها تثقف اللاعبين أيضاً حول قضايا اجتماعية هامة، وتُلهمهم على اتخاذ إجراءات إيجابية.
تعمل صناعة الألعاب على تعزيز الشمولية والتنوع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتحظى اللاعبات والمطورات بتقدير متزايد وفرص أوسع في هذا القطاع، مما يتحدى الأدوار النمطية للجنسين. كما يجري تطوير الألعاب لتكون أكثر شمولاً للأشخاص ذوي الإعاقة، لضمان استمتاع الجميع بتجارب الألعاب والاستفادة منها.
مع نمو صناعة الألعاب، تبرز الحاجة إلى إطار تنظيمي متين يشجع الابتكار ويعالج المخاوف المتعلقة بالمحتوى والإدمان والسلامة على الإنترنت. وتعمل حكومات المنطقة على تطوير سياسات تحقق التوازن بين دعم نمو الصناعة وحماية المستهلكين. ورغم التقدم الملحوظ المُحرز، يظل الاستثمار المستمر في البنية التحتية الرقمية ضروريًا لكي تحقق صناعة الألعاب كامل إمكاناتها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويشمل ذلك تحسين الاتصال بالإنترنت، لا سيما في المناطق الريفية، وضمان توفير إنترنت عالي السرعة بأسعار معقولة. ولضمان استدامة نمو صناعة الألعاب، لا بد من مواصلة التركيز على تنمية المواهب، وذلك من خلال دمج تطوير الألعاب والمهارات ذات الصلة في المناهج التعليمية، وتوفير المزيد من الفرص للمطورين الطموحين لاكتساب الخبرة العملية.
مع استمرار منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الاستثمار في صناعة الألعاب وتطويرها، تبرز إمكانات هائلة لإحداث تحول إيجابي. فمن دفع عجلة النمو الاقتصادي والابتكار التكنولوجي إلى صون التراث الثقافي وتنمية المهارات الأساسية، تُثبت الألعاب أنها قوة دافعة للتغيير في المنطقة. لا تقتصر صناعة الألعاب على الترفيه فحسب، بل تتعداه إلى بناء مجتمع أكثر تنوعًا وابتكارًا وترابطًا. فهي تخلق فرصًا جديدة للنمو الاقتصادي، وتعزز التقدم التكنولوجي، وتوفر منصة للتعبير الثقافي والتبادل. ومع تطلعنا إلى المستقبل، يتضح جليًا أن رهان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على الألعاب هو خطوة استراتيجية نحو منطقة أكثر ازدهارًا ومهارة وتواصلًا عالميًا.
بدأت الرحلة للتو، وتعد السنوات القادمة بمزيد من التطورات المثيرة في قطاع الألعاب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ومع استمرار تطور هذا القطاع ونضجه، سيلعب بلا شك دورًا محوريًا في تشكيل مستقبل المنطقة، وتحويل التحديات إل ى فرص، وتمهيد الطريق لمنطقة أكثر إشراقًا وتفاعلية وشمولية.
يستند المقال إلى بحث أصلي أجراه كل من الدكتور يوسي مان، وأرنون بيرسون، عضو فريق الرؤية الإقليمية التابع لمبادرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 2050، والدكتور جيداليا أفترمان، عضو في مبادرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 2050.



.png)