الإبحار في البحار الهائجة: منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ترسم مساراً نحو التعاون.
7 أغسطس 2023
تُعدّ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، الغنية بالثقافة والتاريخ والموارد، منطقةً ذات تنوّع وتعقيد ملحوظين. وقد حفّز موقعها الجيوسياسي الصراع والتنافس بين القوى الإقليمية والتأثيرات العالمية، مما أدى في كثير من الأحيان إلى زعزعة الاستقرار. وقد ساهم هذا الترابط المعقد بين العوامل في التحديات الفريدة التي تواجهها المنطقة، مما يجعلها حالةً مميزةً في ظلّ التوجه العالمي المتزايد نحو الترابط والاعتماد المتبادل.
قد يؤدي تزايد الترابط الع المي إلى تفاقم عدم الاستقرار في مناطق مثل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي تعاني من انقسامات داخلية بينما تسعى جاهدةً لإيجاد سبيل نحو تعاون شامل. وتؤكد الآثار السلبية للقضايا العالمية، كالأوبئة والنزاعات، كيف يمكن لهذا الترابط أن يُفضي إلى عواقب وخيمة. لذا، يُعدّ الاستفادة من تجارب المناطق الأخرى، سواءً الإيجابية منها أو السلبية، أمراً بالغ الأهمية لمسيرة منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نحو التعاون.
أثارت الأزمة بين روسيا وأوكرانيا تساؤلات حول مفهوم التعاون والتكامل الاقتصادي كضمانة للسلام. وكشفت كيف تحولت بعض المدارس الفكرية الجيوسياسية، التي يعتبرها البعض بالية، إلى معتقدات أيديولوجية جيوسياسية جامدة قادرة على تقويض هذا السرد من جذوره.
أدى تنامي قوة الصين ودول آسيوية أخرى إلى نتائج متباينة، حيث استفادت بعض الدول، بينما استُبعدت أخرى، وظلت دول أخرى تخشى تهديدات وجودية. وتتسع الفجوات المتزايدة على الساحة الجيوسياسية في منطقة شرق آسيا بدلاً من أن تلتئم. ومع انخراط دول المنطقة في لعبة جيوسياسية محمومة، ساعيةً إلى تعزيز أمنها من خلال ضامن أقوى، حتى وإن كان أقل ثقةً تاريخياً أو تقليدياً، فإن هذا التوجه سيؤثر حتماً على مساراتها الاقتصادية، وعلى التعاون والتكامل الإقليميين عموماً.
إضافةً إلى ذلك، يُقدّم الاتحاد الأوروبي، الذي يُنظر إليه غالبًا كنموذجٍ للتكامل يُحتذى به في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، العديد من التحذيرات المُقلقة. فخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مؤخرًا، والتحولات الجذرية في التعاون والتكامل الاقتصادي الروسي الألماني، وتزايد تباين الأولويات بين عواصم الاتحاد الأوروبي، كلها أمثلةٌ على كيف يُمكن أن يتصاعد التعاون الإقليمي إلى منافسةٍ ونزاعاتٍ مُتزايدة. ويحمل الوضع الأوروبي الراهن دروسًا قيّمةً لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
في حين أن زيادة الترابط قد تفيد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معالجة قضايا عالمية مثل تغير المناخ، والتقدم التكنولوجي، والإرهاب، والهجرة، والنزاعات الأهلية، إلا أن هذه العوامل قد تُفاقم أيضاً من تشرذم المنطقة وخطر نشوب النزاعات. فعلى سبيل المثال، أدت الأحداث في سوريا والسودان إلى نزوح الملايين، مما خلق أزمة إنسانية وعدم استقرار إقليمي. وفي الوقت نفسه، تُمثل النزاعات بين الدول، كالنزاع المغربي الجزائري، أعباءً اقتصادية كبيرة نتيجة الإنفاق العسكري وفقدان فرص التجارة والتعاون.
لم تتوزع ثمار العولمة والتعاون الإقليمي بالتساوي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فقد ازدهرت دول مجلس التعاون الخليجي، بينما لا تزال دول أخرى مثل السودان واليمن وسوريا تواجه تحديات كبيرة.
لتعزيز التعاون، ينبغي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التركيز على القضايا المشتركة، واتخاذ خطوات صغيرة وتدريجية، و لكنها بناءة. ويشمل ذلك القطاعين العام والخاص في خلق بيئة تعاونية عبر قطاعات متنوعة، مثل تغير المناخ، والتكنولوجيا، والتكنولوجيا المالية، والخدمات المصرفية، والإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي، والذكاء الاصطناعي. لا يعني هذا أن المنطقة تفتقر إلى تجارب ناجحة على نطاق صغير، ولكن ثمة حاجة إلى بذل المزيد من الجهود لترجيح كفة هذه التجارب لصالحها، بما يضمن تحقيق نجاحات أوسع نطاقًا.
بإمكان الشركات العاملة في مجالات تكنولوجيا التعليم والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي صياغة الخطابات، والحد من الخطاب السام، وتعزيز السلام والتسامح. كما أن الاستثمار في مشاريع البنية التحتية، والبحوث المشتركة، وتعزيز التواصل المباشر، من شأنه أن يعزز التعاون والترابط. ويمكن لغرس شعور بالثقة والمسؤولية المشتركة من خلال إشراك الشباب والحوار المجتمعي أن يحفز التعاون التدريجي.
يضطلع القطاع الخاص بدور محوري في حثّ القطاع العام على معالجة التحديات التي تواجه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وذلك من خلال إبراز الفوائد المحتملة للحلول التعاونية لما يُنظر إليه تقليديًا من قِبل الكثيرين في القطاع العام عالميًا على أنه مشكلات معقدة. ويشمل ذلك تقديم تحليلات متخصصة وبحوث بيانات حول أفضل الممارسات من مناطق أخرى، فضلًا عن بيانات حول الفوائد الاقتصادية والاجتماعية للتعاون الإقليمي حتى الآن، والدعوة إلى تغييرات في السياسات، وتقديم حوافز مالية للحكومات، مثل تقديم منح لتطوير البنية التحتية والاستثمار، أو دعم الحوافز الضريبية للشركات التي تستثمر في المنطقة. كما يُمكن أن تُوفّر الشراكات بين القطاعين العام والخاص منبرًا لصنع القرار المشترك وتخصيص الموارد، فضلًا عن كونها آلية لتجميع الخبرات والموارد.
ختاماً، فإنّ مسيرة بناء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نحو مزيد من الترابط محفوفة بالتحديات نظراً للتداخل المعقد بين العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. ويتطلب تجاوز الانقسامات وتعزيز التعاون حواراً حقيقياً، وتدابير لبناء الثقة، وابتكاراً، وشعوراً مشتركاً بالمسؤولية، وكبح جماح الطموحات الهيمنية.
تُعدّ الآليات التي تُعزز التفاعل والحوار، مثل منتدى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 2050 وغيره من المبادرات المماثلة، ضروريةً لإيجاد أرضية مشتركة تُمكّن من البحث عن حلول مُخصصة لتحديات المنطقة. ومن خلال تبني هذه التدابير العملية والتدريجية والواقعية، يُمكن لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن تتجاوز الاضطرابات الجيوسياسية نحو مستقبل أكثر استدامةً واستقراراً وتقدماً ورخاءً مشتركاً لشعوبها، بصفتهم شركاء ذوي سيادة ومتساوين.

.png)

