top of page
شعار MENA2050 (تم تعديله).png

الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا: رسم ملامح المستقبل على إرث تاريخي

28 يوليو 2026

Go
الأستاذة ميشلين إيشاي


©

خلاصة

تسعى هذه الورقة إلى تحقيق هدفين رئيسيين:

أولاً، تستند إلى تاريخ السكك الحديدية في الشرق الأوسط لتبيّن أن القوى المتنافسة قادرة على بناء بنية تحتية مستدامة عندما تُوجَّه المنافسة نحو مؤسسات مشتركة. ويستند هذا الطرح إلى رؤية تهدف إلى دعم السياسات العامة، إذ تُوجَّه هذه الورقة إلى الجهات التي تسهم اليوم في رسم ملامح الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، بما في ذلك الدول الموقعة ضمن مجموعة العشرين (G20)، ومسؤولو الاتحاد الأوروبي المعنيون بقرارات الموانئ والتمويل، ومنظمات المجتمع المدني، والدول التي تدرس انضمام شركاء جدد ليصبحوا أطرافًا فاعلة في المشروع.

ثانياً، ترى الورقة أن تصميم IMEC، الذي طُرح في نيودلهي عام 2023 باعتباره ممرًا رئيسيًا، ينبغي أن يتوسع ليشمل مسارات فرعية تعزز المرونة الاقتصادية على امتداد الممر. ولتوضيح هذه الرؤية، تقسم الورقة المشروع إلى أربع مناطق رئيسية هي: مسار الهند–الخليج، ومحور الأردن، ومحور إسرائيل–فلسطين، والموانئ الأوروبية والمتوسطية. كما تقدم خرائط مبتكرة ومفصلة توضح كيف يمكن لكل جزء من هذه الأجزاء أن يكون قادرًا على تحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي، مع اندماجه في نهاية المطاف ضمن المشروع الشامل.


مقدمة

قبل مائة عام، وصف الصحفي الفرنسي الشهير ألبير لوندر مدينة مرسيليا بأنها «بوابةٌ عظيمة تعبر من خلالها، في حركة مدٍّ وجزرٍ لا تنقطع، مئات الوجوه التي يتشكل منها العالم الواسع».[1] وكان ذلك في عام 1926، خلال العقد نفسه الذي كانت فيه موانئ وسكك حديد فلسطين وبلاد الشام الكبرى تُنسج معًا لتشكّل منظومة نقل متكاملة. فقد كان خط الحجاز يمتد من دمشق نحو المدينة المنورة، بينما عملت سكك حديد فلسطين على توحيد الخط الساحلي تحت الإدارة البريطانية، وأصبح بإمكان المسافر أن ينزل بسهولة من إحدى سفن شركة Messageries Maritimes في بيروت أو يافا ليستقل قطارًا متجهًا شرقًا.[2]

غير أن إنشاء شبكة النقل بالسكك الحديدية لم يكن عملية سلسة، بل جاء نتيجة توترات وصراعات متعددة، وهي توترات تحمل دروسًا مهمة لمشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC) اليوم.

ففي مطلع القرن العشرين، لم تُصمَّم أي من خطوط السكك الحديدية في الشرق الأوسط باعتبارها جزءًا من شبكة موحدة، ولم تكن ثمرة توافقات جيوسياسية، كما أن أياً منها لم يُنجز وفق المخططات الأصلية. بل شُيّدت وسط شبكة متشابكة من التنافسات، والتمويلات المرتجلة، وامتيازات شابتها النزاعات، وضغوط الضرورات الاستراتيجية. ومع ذلك، فقد أُنجزت بالفعل. فمن خلال تنفيذها مقطعًا بعد آخر، واتفاقًا تلو الآخر، نجحت في ربط عالمٍ مضطرب تتنافس فيه القوى المختلفة.

وكان هذا التنافس شديدًا؛ فقد سعت ألمانيا إلى الوصول إلى بغداد والخليج، بينما سعت فرنسا إلى ترسيخ نفوذها في دمشق والسيطرة على التجارة في بلاد الشام. أما بريطانيا، فكانت تطمح إلى تأمين مصر وضمان ألا يسبقها إليها أي منافس، في حين سعت الدولة العثمانية إلى الحفاظ على سيادتها وتحقيق التحديث، مع توظيف التنافس الأوروبي لخدمة مصالحها. وكان كل امتياز يُمنح يمثل خطوة جديدة في هذه اللعبة الجيوسياسية. ومن هذا المنظور، عكس التطور التاريخي لشبكة السكك الحديدية منافسةً أوسع بين القوى الإقليمية والخارجية.

لكن خلف هذا التنافس، ظلّ التنسيق قائمًا بصورة متواصلة. فقد جمعت إدارة الدين العام العثماني، التي أُنشئت عام 1881، ممثلين عن بريطانيا وفرنسا وألمانيا والنمسا-المجر وإيطاليا وهولندا والدولة العثمانية حول طاولة واحدة.[3] ورغم تنافس هذه الدول الدائنة، فقد أدارت معًا هيكلًا ماليًا مشتركًا خدم مصالحها المتبادلة في الوقت نفسه. وبحلول عام 1900، كانت هذه الإدارة تموّل إنشاء خطوط السكك الحديدية في أنحاء الإمبراطورية على نطاق لم يكن في مقدور أي قوة منفردة تحقيقه.[4] كما تفاوضت شركة Wagons-Lits الرائدة مع شركات السكك الحديدية الوطنية في مختلف أنحاء أوروبا لإبرام اتفاقيات تشغيل مكّنت قطار أوريانت إكسبريس من عبور الحدود الدولية بسلاسة، وهي ترتيبات استمرت لعقود طويلة، ولم يكن المسافرون يلاحظونها، لكنها كانت عنصرًا أساسيًا لنجاح المنظومة.[5] وحتى سكة حديد بغداد، التي كانت أكثر مشاريع تلك الحقبة حساسيةً من الناحية الجيوسياسية، أفضت إلى اتفاق رسمي بين بريطانيا وألمانيا والدولة العثمانية عام 1913، منح ممثلين بريطانيين مقاعد في مجلس إدارتها وحدد أسسًا مشتركة لتنفيذ المشروع.[6] غير أن اندلاع الحرب العالمية الأولى حال دون التصديق على الاتفاق، ثم انهارت الدولة العثمانية بعد أربع سنوات. وبعد أكثر من قرن، لا يزال من الممكن إحياء مثل هذه المشاريع الحيوية واستكمالها.

وخلال تلك السنوات الأولى من التقدم، كان التنافس والتنسيق يسيران جنبًا إلى جنب، عبر المؤسسات نفسها وعلى خطوط السكك الحديدية ذاتها. فقد منح التنافس جميع الأطراف دافعًا للبناء، بينما أوجد التنسيق إطارًا مؤسسيًا تجاوز حدود هذا التنافس.

ويبدو أن مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC) يسير اليوم وفق ديناميكية مشابهة. فقد أُعلن عنه خلال قمة مجموعة العشرين في نيودلهي في سبتمبر 2023، ووقّعت عليه ثمانية أطراف هي: الهند، والولايات المتحدة، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، والاتحاد الأوروبي. وقد صُمم بوصفه ممرًا استراتيجيًا رئيسيًا، وبديلًا واضحًا لمبادرة الحزام والطريق الصينية.[7] ويبدو عنصر التنافس فيه جليًا وواضحًا، إلا أن العنصر الأقل ظهورًا، والأكثر أهمية على المدى الطويل، هو طبقة التنسيق المؤسسي التي تتشكل بالتوازي معه.

غير أن الحرب في غزة، وما تبعها من اتساع رقعة الصراع على المستوى الإقليمي، أدّت إلى إبطاء الزخم الأولي للمشروع. كما أن حرب إيران عام 2026 وإغلاق مضيق هرمز يعيدان رسم مسارات الطاقة، ويزيدان من الحاجة إلى بدائل برية لطرق الشحن عبر الخليج. وفي الوقت نفسه، تطالب تركيا بالانضمام إلى المشروع، بينما تتنافس الموانئ الأوروبية لاستضافة محطته الغربية، وتُدرس مسارات جديدة للسكك الحديدية في الخليج يمكن أن تكمل التصميم الأصلي للممر أو تشكل بدائل له.

ولا ينبغي أن تُثني هذه التطورات صُنّاع القرار السياسي والمستثمرين عن تبني رؤية مشتركة. فالتحديات الراهنة تشبه إلى حد كبير تحديات الحقبة العثمانية: تعدد القوى، وتباين الرؤى، مع وجود مصالح مشتركة وملحّة. والسؤال الحقيقي هو ما إذا كان مشروع IMEC سيطوّر ما يعادل إدارة الدين العام العثماني وشركة Wagons-Lits؛ أي بنية مالية تُنسق الحوافز بين المستثمرين المتنافسين، واتفاقيات تشغيل تتيح لمقاطع السكك الحديدية الوطنية المختلفة أن تعمل كممر واحد متكامل. إن طبقة التنسيق هذه لن تتشكل تلقائيًا، بل تتطلب عملًا مؤسسيًا واعيًا يوفّق بين الرؤى المتنافسة قبل وقت طويل من اكتمال خطوط السكك الحديدية. وتلك هي الرسالة الأساسية التي يقدمها تاريخ السكك الحديدية في المنطقة، وهي المهمة التي لا تزال تنتظر من يواصلها.

ولكن للمضي قدمًا، ينبغي أولًا أن نعيد التذكير بماهية الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، وأن نتخيّل ما ينبغي أن يصبح عليه في المستقبل. ففي صيغته التي أُعلن عنها عام 2023، يمثّل IMEC إعلانًا عن ممر رئيسي؛ أي شريانًا تجاريًا أُطلق خلال قمة مجموعة العشرين لربط الهند بأوروبا عبر منطقة الخليج. ولا شك أن هذا الشريان يمثل عنصرًا بالغ الأهمية، إذ يوفّر إطارًا للتعاون، ويعكس إرادة سياسية مشتركة، ويؤسس للبديل الاستراتيجي لمبادرة الحزام والطريق الصينية، كما أرادته الدول الثماني الموقعة عليه. كما يرسم هيكلًا اقتصاديًا ثلاثي الأبعاد، تكون فيه الهند مركزًا للتصنيع والخدمات، ومنطقة الخليج منصةً للخدمات اللوجستية والطاقة ورأس المال، بينما تمثل أوروبا مركزًا للتكنولوجيا والاستهلاك.

غير أن الشريان لا يستطيع أن يحافظ على الحياة من دون شبكة من الشعيرات. فما سيحدد نجاح IMEC على المدى الطويل ليس الممر الرئيسي وحده، بل شبكة الممرات الفرعية، والمناطق الصناعية، والروابط بين الموانئ التي تدمجه في الاقتصادات التي يعبرها. فهذه الشعيرات هي التي تجعل المشروع أداةً للتنمية البشرية، وليس مجرد وسيلة لزيادة حجم التجارة.

وهذا ليس جانبًا ثانويًا. فقد استمرت الأجزاء الشمالية من سكة حديد الحجاز، الممتدة من دمشق إلى عمّان، لأنها أصبحت ذات أهمية اقتصادية حيوية للمجتمعات الواقعة على طول مسارها.[8] أما الأجزاء الجنوبية، الممتدة من معان إلى المدينة المنورة، والتي أُنشئت أساسًا لتعزيز السيطرة العسكرية العثمانية على الولايات العربية، فقد تعرضت للتخريب خلال الثورة العربية، ولم يُعد تشغيلها بعد ذلك. وبرحيل الدولة العثمانية، اختفى معها خط الإمداد اللوجستي، بينما بقي المسار التجاري. وهذا يبيّن أن البنية التحتية التي تخدم فقط المصالح الاستراتيجية أو المالية للقوى الخارجية، من دون أن تولّد فرص عمل، أو تعزز القدرات الصناعية، أو تبني القدرة على الصمود لدى المجتمعات المحلية، يصعب أن تستمر على المدى الطويل.

ولكي يحقق هذا المشروع الاستمرارية، فلا ينبغي أن تقتصر الرؤية المقترحة على كونها تصورًا جيوسياسيًا تتبناه الحكومات الإقليمية والدولية ودوائر الأعمال فقط، بل يجب أن تكون محل نقاش علني وحوار واسع داخل مؤسسات المجتمع المدني، التي تُعد بدورها من أصحاب المصلحة الرئيسيين والمستفيدين من المشروع.

وانطلاقًا من هذا المنظور، ترى هذه الورقة أن IMEC لا ينبغي النظر إليه باعتباره ممرًا واحدًا، بل باعتباره أربع مناطق مترابطة، لكل منها منطقها الاستراتيجي وشبكتها القادرة على تعزيز المرونة. وتعرض الأقسام التالية هذه المناطق الأربع، وهي: الهند والخليج (المنطقة الأولى)، والمحور الأردني وشرق البحر المتوسط (المنطقة الثانية)، ومحور إسرائيل/فلسطين (المنطقة الثالثة)، والموانئ الأوروبية والمتوسطية (المنطقة الرابعة).


المنطقة 1: الهند والخليج

تُعد منطقة الهند–الخليج، التي تربط الموانئ الهندية بشبه الجزيرة العربية، أكثر أجزاء المشروع نضجًا من الناحية التجارية. ومع ذلك، فإنها لا تزال تشهد توسعًا مستمرًا، مدفوعًا بمشروعات مثل ميناء فادهافان الهندي الجديد للمياه العميقة، وشبكة قطارات الاتحاد (Etihad Rail) في دولة الإمارات العربية المتحدة، والتوسع في البنية التحتية اللوجستية للمملكة العربية السعودية حول الرياض وساحل البحر الأحمر.[9]

وقد أضفت أزمة مضيق هرمز مزيدًا من الإلحاح على هذه المنطقة؛ فمع تعطل مسارات الشحن عبر الخليج، لم تعد الحاجة إلى بدائل برية وموانئ تقع خارج نطاق المضيق، مثل الفجيرة، وصحار، ومسقط، وصلالة، والدقم، مجرد خيار استراتيجي، بل أصبحت ضرورة تشغيلية.

ويتجاوز حجم التجارة السنوية بين الهند ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية 180 مليار دولار أمريكي، كما تمتلك دول الخليج كلًا من رأس المال والدافع السياسي للإسراع في تنفيذ المشروع.[10] وتضع رؤية السعودية 2030 قطاع الخدمات اللوجستية في صميم استراتيجيتها لتنويع الاقتصاد في مرحلة ما بعد النفط، بينما رسخت دولة الإمارات مكانتها الإقليمية باعتبارها مركزًا لوجستيًا لا غنى عنه. ومن ثم، فإن هذه الدول ليست شركاء مترددين، بل تتنافس على ترسيخ موقعها كمحور للمسارات الشرقية للممر، وهو تنافس يمكن، إذا ما أُحسن توجيهه، أن يتحول إلى مصدر قوة يدعم نجاح المشروع.


المنطقة 2: المحور الأردني وشرق البحر المتوسط

تُعد المنطقة الثانية، والمتمثلة في المحور الأردني، الأكثر تعقيدًا ضمن مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، إذ تمثل نقطة الارتكاز التي يلتقي فيها الخليج ببلاد الشام، كما تكشف بوضوح عن التحدي الأكبر للمشروع في مجال التنمية البشرية. ويكتسب الأردن أهمية استراتيجية استثنائية بحكم موقعه الجغرافي، إذ يقع عند تقاطع خمسة إلى ستة مسارات محتملة: فهو يرتبط شمالًا بسوريا ولبنان وتركيا، وجنوبًا بالمملكة العربية السعودية وعبر العقبة بالبحر الأحمر، وشرقًا بالعراق، وغربًا بإسرائيل والمدن الفلسطينية ومصر. كما يُعد الممر البري المستقر الوحيد بين الخليج وبلاد الشام الذي يتمتع ببنية تحتية حدودية عاملة وعلاقات تشغيلية مع جميع الأطراف المعنية. ولا توجد دولة أخرى على امتداد هذا المسار تجمع بين الموقع الجغرافي المحوري والحياد السياسي كما يفعل الأردن، وهو ما يمنحه ميزة جيوسياسية يصعب تعويضها.

غير أن التحدي الأساسي يكمن في افتقار الأردن إلى بنية تحتية متكاملة للسكك الحديدية والخدمات اللوجستية. فمن دون استثمارات واسعة في البنية التحتية المحلية، تشمل شبكات نقل البضائع بالسكك الحديدية، والموانئ الجافة، والمناطق الاقتصادية الخاصة، ومراكز الخدمات اللوجستية العابرة للحدود، لن يتمكن الأردن من أداء دوره كمركز إقليمي فعّال. وتُعد فجوة التمويل حقيقية وموثقة، ولن تُسد إلا من خلال آلية تمويل متعددة الأطراف، سواء عبر مرفق ربط أوروبا (Connecting Europe Facility) التابع للاتحاد الأوروبي، أو الصناديق السيادية الخليجية، أو من خلال إنشاء آلية تمويل خاصة بمشروع IMEC، على غرار الدور الذي اضطلعت به إدارة الدين العام العثماني في الماضي.[11]

ولا يقتصر هذا التحدي على الأردن وحده، بل يمتد إلى المنطقة الأوسع التي تضم مصر، ولبنان في مرحلة إعادة الإعمار، والأراضي الفلسطينية، والتي تمثل جبهة التنمية البشرية الرئيسية للممر بأكمله. فهذه المجتمعات هي الأكثر حاجة إلى فرص العمل والاستقرار اللذين يمكن أن توفرهما البنية التحتية المتكاملة، وهي أيضًا الأكثر عرضة للتهميش إذا ظل الممر مجرد طريق عبور يتجاوزها بدلًا من أن يندمج في اقتصاداتها.

ويُشكل الأردن حلقة الوصل الطبيعية مع الأراضي الفلسطينية وإسرائيل، كما يحتضن المنطقة الصناعية الكبرى في إربد الواقعة على المحور الرابط بين عمّان وحيفا. وبالنسبة للأراضي الفلسطينية على وجه الخصوص، فإن دمجها اقتصاديًا في شبكة إقليمية متكاملة لا يُعد منفعة ثانوية لمشروع IMEC، بل يمثل مساهمة هيكلية حقيقية يمكن أن يقدمها الممر لدعم الاستقرار طويل الأمد.[12]

ولا يقتصر خطر إهمال هذه المنطقة على الجوانب الإنسانية فحسب؛ إذ تُظهر التجارب التاريخية أن مشاريع البنية التحتية التي تتجاوز المجتمعات المجاورة ولا تحقق لها فوائد مباشرة كانت عرضة للتخريب. ويُعد ما حدث للأجزاء الجنوبية من سكة حديد الحجاز مثالًا واضحًا على ذلك. أما الممرات التي تخدم المجتمعات الواقعة على امتدادها وتُسهم في تنميتها، فهي وحدها التي تمتلك مقومات الاستمرار.


المنطقة 3: محور إسرائيل–فلسطين

في حين يُعد المحور الأردني الحلقة المفقودة في المشروع، فإن المسار الأكثر مباشرة نحو البحر الأبيض المتوسط يمر عبر ميناء حيفا، كما ورد في التصور الأصلي لمشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC) لعام 2023. وبالمقارنة مع الدول العربية والأراضي الفلسطينية، تمتلك إسرائيل بالفعل شبكة سكك حديدية متطورة وواسعة الانتشار. ومع ذلك، قد تتوقف هذه الشبكة عند حدودها إذا اعتبر أصحاب المصلحة الإقليميون والدوليون أن هذه المنطقة الحساسة تنطوي على مخاطر سياسية أو مالية كبيرة. وفي هذه الحالة، قد يبقى IMEC مجرد مشروع غير مكتمل، ويفوّت فرصة الإسهام في تعزيز المرونة الاقتصادية والأمن لكل من الفلسطينيين والإسرائيليين في المنطقة الممتدة من نهر الأردن إلى البحر الأبيض المتوسط.

ومن ثم، فإن الفروع الرابطة للممر في المنطقة الثالثة ينبغي أن تُنشئ شبكة تجعل من قطاع غزة والضفة الغربية بوابتين متكاملتين ضمن الشبكة الإقليمية الأوسع. وفي مرحلتها الأولى، تستند هذه الروابط إلى خطوط السكك الحديدية الإسرائيلية القائمة والمخطط لها، من خلال ثمانية مسارات ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بـ IMEC، بما يوفر أساسًا للتنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية، ويدعم قيام حوكمة فلسطينية ذات سيادة، ويعزز فرص تحقيق سلام وأمن مستدامين.

أما بالنسبة إلى قطاع غزة، فتتمثل الأولوية الأولى في إعادة ربطه بـ المحور الساحلي الشمالي–الجنوبي، من خلال إعادة إعمار تدريجية لخط الحجاز التاريخي الذي يعود إلى العهد العثماني، بالاستفادة من البنية التحتية القائمة ومشروعات إعادة التطوير على امتداد الساحل. ويمتد هذا الخط حاليًا شمالًا من سديروت عبر تل أبيب وحيفا وصولًا إلى نهاريا، فيما يقترح المشروع إعادة بناء الخط القديم باتجاه بيروت، مع تمديده جنوبًا شرقًا من سديروت/غزة إلى العريش وبورسعيد.

وتتمثل المرحلة الثانية في ربط هذا المحور الشمالي–الجنوبي بـ محور IMEC شرق–غرب، الذي يعمل بالفعل بين حيفا وبيت شان، مع تمديده إلى إربد في الأردن ثم إلى عمّان.

أما المسار الثالث، فهو المحور الصحراوي الجنوبي الشرقي، حيث تربط خطوط السكك الحديدية القائمة بالفعل بين سديروت وبئر السبع وديمونا. ويقترح المشروع تمديدين إضافيين لهذا المسار: الأول يمتد من ديمونا عبر الحدود إلى المحور الأردني الشمالي–الجنوبي، بما يتيح الوصول شمالًا إلى عمّان وما بعدها، وجنوبًا إلى العقبة أو المملكة العربية السعودية. أما التمديد الثاني، فيربط ديمونا بكل من إيلات في إسرائيل والعقبة في الأردن.

وأخيرًا، يقترح المشروع إنشاء رابط رابع يصل قطاع غزة مباشرة بـ الضفة الغربية عبر سديروت، ثم باتجاه الشرق وصولًا إلى الخليل.

أما في الضفة الغربية، فإن تمديدًا قصيرًا من جنين إلى العفولة من شأنه أن يربطها بالمسار الغربي–الشرقي لمشروع IMEC، الذي يمتد من العفولة غربًا إلى حيفا، أو شرقًا إلى بيت شان ثم إلى إربد في الأردن عبر جسر الملك حسين بعد تطويره وتوسيعه. وداخل الضفة الغربية نفسها، يقترح المشروع إنشاء مسار قوسي يربط بين مراكز التجمعات السكانية الفلسطينية الرئيسية، إلى جانب إنشاء خط جديد يمتد شمالًا–جنوبًا عبر وادي الأردن، يرتبط بمدينة عمّان والمحور الأردني الشمالي–الجنوبي من خلال وصلة قصيرة شرقًا تنطلق من أريحا.

داخل إسرائيل، تشبه شبكة السكك الحديدية هيكل السُّلَّم، إذ تتكوّن من محورين رئيسيين يمتدان من الشمال إلى الجنوب، تربط بينهما وصلات تمتد من الشرق إلى الغرب. ويشكّل المحور الساحلي الشمالي–الجنوبي، الذي يربط حاليًا بين سديروت وتل أبيب وحيفا وعكا ونهاريا، العمود الفقري للشبكة، مع إمكانية تمديده شمالًا إلى بيروت، على غرار المسار التاريخي لخط الحجاز، وجنوبًا على طول الساحل من سديروت/غزة إلى العريش في مصر.

أما المحور الثاني، الممتد بالتوازي مع الساحل في الجهة الشرقية، فلم يكتمل بعد، إلا أنه سيصل بين بئر السبع وقيسارية، مع توفير وصلات شرقية–غربية تربطه بالخط الساحلي. كما يقترح المشروع تطوير المحور الصحراوي الجنوبي الشرقي، عبر تمديد الخط القائم بين بئر السبع وديمونا باتجاه الأردن والمملكة العربية السعودية. ويمكن أن يمتد هذا المحور إما إلى إيلات ثم العقبة، أو من ديمونا إلى المحور الأردني الشمالي–الجنوبي، بما يتيح الوصول جنوبًا إلى معان وتبوك/نيوم، وشمالًا إلى عمّان ومنها إلى شبكات النقل الإقليمية والدولية. ومن شأن هذه المحاور، القائمة منها والمقترحة، والمخصصة لنقل الركاب والبضائع، أن تعزز التنقل المتكامل، وهو عنصر أساسي لترسيخ التسامح والتعايش والسلام المستدام.

وعلى امتداد هذه المسارات، يمكن توفير فرص عمل تدعم الاقتصادات المحلية، مع التركيز بصورة خاصة على إيجاد وظائف لائقة للفلسطينيين. ويوجد في الضفة الغربية نحو 35 منطقة صناعية، من بينها بوابة الأردن (Jordan Gateway)، وهي مبادرة مشتركة بين الأردن وإسرائيل.[13] وتضم هذه المناطق صناعات ثقيلة مثل المعادن والكيماويات والبلاستيك والإسمنت، إلى جانب مجمعات تكنولوجية وتجارية. ورغم نشاطها الاقتصادي، فقد أسهمت هذه المناطق، في الوقت نفسه، في تعميق اعتماد الاقتصاد الفلسطيني على إسرائيل. إذ يواجه العمال الفلسطينيون سوق عمل غير متكافئة تتسم بانخفاض الأجور وضعف الحماية القانونية.[14] كما تراجعت الاستثمارات الفلسطينية في هذه المناطق خلال السنوات الأخيرة، في حين أدى التفتت الجغرافي إلى ارتفاع تكاليف النقل والتجارة.[15] وإلى جانب ذلك، انتقلت إليها بعض الصناعات الملوِّثة مستفيدةً من ضعف الرقابة البيئية، بينما تتعرض الأراضي الزراعية للاستيلاء التدريجي بفعل التوسع الاستيطاني، بما يهدد الأمن الغذائي.[16]

وقد يرى بعض المنتقدين أن توسيع الاستثمارات في هذه المناطق، ضمن الظروف الحالية، قد يزيد من اعتماد الاقتصاد الفلسطيني على إسرائيل. ومن هنا تبرز أهمية إنشاء فرص عمل أكثر عدالة واستدامة تعزز استقلال الاقتصاد الفلسطيني داخل الأراضي الفلسطينية وخارجها. فالتفاوت الاقتصادي الكبير غالبًا ما يولد مشاعر الإحباط، التي قد تتطور سريعًا إلى العنف. ومن ثم، فإن أحد السبل العملية لمعالجة هذه المخاوف يتمثل في توجيه الاستثمارات والتخطيط للبنية التحتية نحو مناطق صناعية فلسطينية تقع على أراضٍ فلسطينية، وتخضع لإدارة فلسطينية، وترتبط بممرات تجارية تديرها المؤسسات الفلسطينية، مع إرساء معايير ملزمة للعمل وحماية البيئة منذ البداية. وبهذه الطريقة، تصبح التنمية الصناعية وسيلة لتعزيز السيادة الاقتصادية المحلية بدلًا من تكريس التبعية للخارج.

ويمكن تطبيق النهج نفسه في قطاع غزة بعد بدء عملية إعادة الإعمار. فمن خلال إنشاء مناطق صناعية ذات قاعدة محلية، وضمان حماية حقوق العمال، وربطها مباشرة بشبكات التجارة، وصون الأراضي الزراعية والموارد المائية، يمكن أن تتاح لغزة فرصة نادرة لبناء بنيتها الصناعية على أسس مستقلة، بدلًا من تكرار أنماط الاعتماد الاقتصادي التي شهدتها الضفة الغربية.

كما يمكن لهذا الاستقلال الاقتصادي أن يفتح المجال أمام أشكال جديدة من الاندماج في سوق العمل في بعض المواقع الصناعية. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يضم موقع صناعي جديد في صحراء النقب، على غرار منتزه عيدان هنيغف الصناعي (Idan HaNegev Industrial Park)، شركاء متساوين من الأقليات الإسرائيلية، بما في ذلك بدو النقب، إلى جانب رواد أعمال فلسطينيين من غزة والضفة الغربية. وسيصبح هذا النموذج ممكنًا من الناحية اللوجستية بفضل الربط عبر المحور الصحراوي الجنوبي الشرقي، بما يمنح جميع هذه المجتمعات مصلحة مباشرة في نجاح الممر.

ولا يتعارض الاستقلال الاقتصادي الفلسطيني مع الاندماج الإقليمي، بل يجعله أكثر قابلية للاستمرار. فالتكامل الدائم لا يمكن أن يقوم إلا على أساس من الاستقلال الاقتصادي والكرامة الإنسانية. وعلى المدى الطويل، يمكن لهذا النهج أن يمهد الطريق نحو أمن مستدام لكل من الإسرائيليين والفلسطينيين، ويحد من قدرة الأطراف الساعية إلى تقويض الاستقرار، وهو درس يمكن استخلاصه من تجربة الحقبة العثمانية وما تلاها من تطورات تاريخية.


المنطقة 4: الموانئ الأوروبية والمتوسطية

تضم المنطقة الرابعة الموانئ الأوروبية الممتدة حتى شمال أوروبا، وهي المنطقة التي تشهد بالفعل تنافسًا متزايدًا على استضافة المحطة الغربية لمشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC). فمن الشرق إلى الغرب، تتنافس موانئ رئيسية، منها ليماسول ولارنكا في قبرص، وألكسندروبولي وسالونيك وبيريوس في اليونان، وترييستي في إيطاليا، ومرسيليا في فرنسا، على ترسيخ مكانتها بوصفها موانئ رئيسية للممر.

وقد ربطت ألمانيا مشروع IMEC بمبادرة البحار الثلاثة (Three Seas Initiative)، بما يعزز موقع ميناء ألكسندروبولي ضمن شبكة موانئ المشروع.[17] أما إيطاليا، فقد أطلقت على المشروع اسم «طريق القطن» (Cotton Route)، وعيّنت مبعوثًا خاصًا له، وتسعى إلى ترسيخ ميناء ترييستي بوصفه البوابة الرئيسة إلى وسط وشرق أوروبا. وفي المقابل، تظل مرسيليا، بحكم موقعها التاريخي على البحر الأبيض المتوسط، مرشحة لتكون إحدى الركائز الأساسية للممر في غرب أوروبا. كما عيّنت فرنسا مبعوثًا خاصًا للمشروع، واستضافت أول اجتماع لـ شيربا IMEC في يونيو/حزيران 2025.

ويُسهم هذا التنافس في تحفيز الاستثمارات، وتعزيز الالتزام السياسي، وتطوير البنية التحتية للموانئ، لكنه في الوقت نفسه يطرح أكبر تحديات التنسيق التي يواجهها المشروع. فالقرارات الاستثمارية تُتخذ بالتزامن من قبل أطراف متنافسة، وهو ما قد يؤدي إلى ازدواجية في الاستثمارات واحتكاكات سياسية، على غرار ما أعاق وصول سكة حديد بغداد إلى الخليج لمدة عقدين خلال العهد العثماني. ولا يكمن الخطر في فوز ميناء بعينه، بل في احتمال ألا يتمكن أي ميناء من بلوغ الحجم والقدرة اللازمين ليكون المحطة الغربية الرئيسة للممر، بحيث يصل IMEC إلى أوروبا في صورة مجموعة من الاتفاقيات الثنائية المتنافسة، بدلًا من أن يكون نظامًا متكاملًا.

ويمتلك الاتحاد الأوروبي بالفعل الأدوات المؤسسية الكفيلة بتجنب هذا السيناريو، مثل شبكة النقل الأوروبية (TEN-T)، وآلية مرفق ربط أوروبا (Connecting Europe Facility – CEF)، فضلًا عن سلطته التنظيمية لوضع معايير موحدة للتشغيل البيني بين الدول الأعضاء.[18] إلا أنه لم يوظف هذه الأدوات بعد لإنشاء إطار تنسيقي يعادل، في القرن الحادي والعشرين، الدور الذي اضطلعت به شركة Wagons-Lits، بحيث يسمح للموانئ الأكثر تأهيلًا بأن تتكامل فيما بينها بدلًا من أن تتنافس على نحو يضعف المشروع.

وإذا ما تحقق هذا الإطار التنسيقي، فإن المكاسب ستكون كبيرة. إذ ستتمكن أوروبا من تنويع سلاسل الإمداد وتقليل اعتمادها المفرط على التصنيع الصيني ومسارات الشحن العابرة لقناة السويس، كما ستستفيد الموانئ المتنافسة من جذب استثمارات جديدة، وتطوير شبكات الربط مع مناطقها الداخلية، وتعزيز مكانتها ضمن منظومة الخدمات اللوجستية الأوروبية.

وإلى جانب الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، تظل قدرة أوروبا على الوصول إلى شمال أفريقيا ذات أهمية استراتيجية. ففي ظل الحركة البحرية الكثيفة القائمة بالفعل بين أوروبا ومصر، وكذلك مع الجزائر وتونس وإن كان على نطاق مختلف، تتجه الأنظار بصورة متزايدة إلى المغرب بوصفه نافذة استراتيجية مكملة لمشروع IMEC نحو شمال أفريقيا. ويؤدي ميناء طنجة المتوسط، أحد أكبر موانئ البحر الأبيض المتوسط، هذا الدور بالفعل، من خلال حركة العبارات وسفن الحاويات اليومية عبر مضيق جبل طارق إلى الموانئ الإسبانية، ولا سيما الجزيرة الخضراء (Algeciras) وفالنسيا.

ومع ذلك، فإن الربط بالسكك الحديدية يتوقف عند الساحل. فالمغرب يمتلك شبكة سكك حديدية وطنية متطورة، تشمل خط القطار فائق السرعة الذي يربط طنجة والرباط والدار البيضاء، إلا أنه لا توجد حتى الآن وصلة سكك حديدية ثابتة تربطه بأوروبا أو ببقية دول شمال أفريقيا. ولا يزال مشروع النفق البحري المقترح بين بونتا بالوما في إسبانيا وطنجة، الذي يبلغ طوله نحو 60 كيلومترًا، في مرحلة دراسات الجدوى، دون وجود جدول زمني مؤكد لبدء تنفيذه.[19] وحتى يتحقق ذلك، سيظل هذا الممر يعمل بوصفه جسرًا بحريًا، وليس خطًا متصلًا للسكك الحديدية.


خاتمة


لم تُخطَّط شبكات السكك الحديدية في العهد العثماني لتكون منظومة واحدة متكاملة، والأمر نفسه ينطبق على مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC). فقد استمرت سكة حديد الحجاز، وسكة حديد بغداد، وسكك حديد فلسطين، وقطار الشرق السريع (Orient Express) في أداء أدوارها حتى بعد زوال الإمبراطورية التي أنشأتها، بفضل ما وفرته من أشكال مختلفة من التنسيق والتكامل. واليوم، ستتطور المناطق الأربع لمشروع IMEC—المتمثلة في ممر الهند–الخليج، والمحور الأردني الهش لكنه محوري، ومحور إسرائيل–فلسطين المتنازع عليه، والموانئ الأوروبية المتنافسة—في ظل ظروف مشابهة. فهي تجسد واقعًا تتداخل فيه القوى المختلفة، والطموحات المتشابكة، وأشكال التعاون المعقدة.

وكما كان الحال في الماضي، فإن النجاح أو الإخفاق يتوقف على مدى القدرة على توجيه المنافسة نحو إطار مؤسسي مشترك؛ أي إنشاء ما يعادل إدارة الدين العام العثماني بصيغتها الحديثة، أو مؤسسة تؤدي دور Wagons-Lits في القرن الحادي والعشرين، إلى جانب استعداد الاتحاد الأوروبي لتفعيل أدوات مثل شبكة النقل الأوروبية (TEN-T) وغيرها من الآليات التي تسمح بتحويل الموانئ المتنافسة إلى منظومة متكاملة من المراكز القادرة على العمل بكفاءة واستقلالية.

وينطبق المنطق نفسه على جوهر التنمية البشرية، ولا سيما في المنطقتين الثانية والثالثة. فتكمن أهمية الأردن، ليس فقط في موقعه عند تقاطع خمسة أو ستة مسارات محتملة، بل في قدرته على تطوير شبكات النقل، والموانئ الجافة، والمناطق الصناعية، بما ينعكس إيجابًا على حياة الأردنيين والفلسطينيين والإسرائيليين والسوريين واللبنانيين والمصريين والعراقيين الذين يرتبط مستقبلهم بهذا المحور. أما في المنطقة الثالثة، فإن القيمة الحقيقية لا تكمن في مد خطوط السكك الحديدية عبر نهر الأردن فحسب، بل في ضمان أن تمتلك جميع المجتمعات المعنية مصلحة حقيقية في نجاح هذه الشبكة واستمرارها. لقد كانت الأجزاء الجنوبية التاريخية من سكة حديد الحجاز تخدم مصالح خارجية بالدرجة الأولى، ولذلك كان من السهل تخريبها ولم يُعد بناؤها. في المقابل، فإن أجزاء شبكة السكك الحديدية التي اندمجت في الاقتصادات المحلية استمرت لأكثر من قرن. وينطبق الدرس نفسه على IMEC؛ فإذا أُريد لبنيته التحتية أن تدوم، فلا بد أن تخدم شعوب المنطقة من خلال موانئ، ومناطق صناعية، وشبكات رقمية، وأنظمة للطاقة، مصممة على أسس الاستدامة والقدرة على الصمود.

وفي الوقت الذي كانت فيه امتدادات سكة حديد الحجاز وسكك حديد فلسطين لا تزال تحمل وعدًا بقيام بلاد شام مترابطة، كتب الصحفي الفرنسي ألبير لوندر عام 1929، من فلسطين الخاضعة للانتداب البريطاني، عن منطقة بدأت تتفكك؛ إذ أدت أحداث الشغب والمجازر في ذلك العام إلى تحويل الجيران إلى خصوم، ورسخت الانقسامات بين مجتمعات كانت تتشارك الشوارع والأسواق وأرصفة محطات القطارات قبل عقد واحد فقط. أما المناطق الأربع التي يقترحها مشروع IMEC، فإنها تستلهم هذا التاريخ لتطرح مسارًا معاكسًا: شبكة من المسارات الفرعية التي تدعم اقتصادات محلية أكثر قدرة على الصمود، تمولها قوى متنافسة، وتربط بين أطراف سياسية متخاصمة تحتاج، في الواقع، إلى بعضها البعض أكثر مما قد تعترف به اليوم. وإذا كان ألبير لوندر قد رأى منطقة تتفكك، فإن الرؤية المتطورة لـ IMEC تنظر إلى السكك الحديدية والممرات بوصفها غرزًا تُعيد نسج التعاون الإقليمي.

لقد حان الوقت لبناء حوكمة إقليمية مشتركة، خطوةً بخطوة ومقطعًا بعد آخر، بالشراكة مع القوى الدولية، كما حان الوقت لصنع تاريخ جديد لشعوب منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يمتد أثره إلى ما هو أبعد من حدود المنطقة.


الهوامش الختامية


[1] Albert Londres, “Marseille, porte du Sud,” serialized 1926, published as “Marseille, porte du Sud” (Paris : Les Éditions de France, 1927). The full passage reads: “Je ne connais pas les armes de l’écu de Marseille… une porte monumentale, où passeraient, flux et reflux, les cent visages du vaste monde.”

[2] On the Hejaz Railway and the Palestine rail network in the 1920s, see Jacob Norris, “Land of Progress: Palestine in the Age of Colonial Development, 1905–1948” (Oxford University Press, 2013).

[3] The Ottoman Public Debt Administration (Düyun-u Umumiye) was established by the Decree of Muharrem on 20 December 1881. Its multinational council represented creditors from Britain, France, Germany, Austria-Hungary, Italy, and the Netherlands. See Christopher Clay, “Gold for the Sultan: Western Bankers and Ottoman Finance 1856–1881” (London: I.B. Tauris, 2000);

[4] Donald Quataert, “Ottoman Reform and Agriculture in Anatolia, 1876–1908” (University of California Press, 1973)

[5] The Compagnie Internationale des Wagons-Lits (CIWL) was founded by Georges Nagelmackers in 1872–76 and launched the Orient Express service in June 1883 between Paris and Constantinople. The company contracted with national state railways in each country for haulage while providing through-ticketing and sleeping-car service.

[6] An Anglo-Ottoman agreement on the Baghdad Railway was reached in 1913, with two British representatives approved by HM Government admitted to the Board of the Baghdad Railway Company. A further Anglo-German agreement along similar lines was signed in London on 15 June 1914 but never ratified owing to the outbreak of war. See “Baghdad Railway,” Military History Wiki, https://military-history.fandom.com/wiki/Baghdad_railway; and Jonathan S. McMurray, “Distant Ties: Germany, the Ottoman Empire, and the Construction of the Baghdad Railway” (Westport, CT: Praeger, 2001).

[7] Memorandum of Understanding on the India–Middle East–Europe Economic Corridor (IMEC), signed at the G20 Summit, New Delhi, 9 September 2023. Signatories: India, United States, Saudi Arabia, UAE, France, Germany, Italy, and the European Union.

[8] The northern sections of the Hejaz Railway between Damascus and Amman continued in use for freight and, until 2011, passenger service. The southern section from Ma’an to Medina was put out of operation during the Arab Revolt of 1916–1917 and never restored. See Encyclopædia Britannica, “Hejaz Railway,” https://www.britannica.com/topic/Hejaz-Railway

[9] The author wishes to thank Robert Pyne for his assistance with the maps of this paper.

[10] Government of India, Ministry of Ports, Shipping and Waterways, “Vadhavan Port Development,” 2024; Etihad Rail, Annual Report 2023; and Saudi Vision 2030 Logistics Sector Report, 2023.

[11] India–Arab Cooperation Council, Trade and Investment Report 2024; and Ministry of Commerce and Industry, Government of India, bilateral trade statistics 2023–24.

[12] European Commission, “Trans-European Transport Network (TEN-T) Policy,” https://transport.ec.europa.eu/transport-themes/infrastructure-and-investment/trans-european-transport-network-ten-t_en ; and World Bank, “Jordan Economic Monitor,” Spring 2024.

[13] UNCTAD, “Trade and Development Report on the Palestinian Economy,” 2023; and World Bank, “Assessing the Economic Impact of Conflict in the West Bank and Gaza,” 2024.

[14] MAS (Palestine Economic Policy Research Institute), Settlement Industrial Zones and the Palestinian Economy, https://mas.ps/en/publications/13861.html . (Accessed July 17)

[15] U.S. Department of State, 2025 Investment Climate Statements: West Bank and Gaza, noting that Israeli labor laws applying to settlements "are not enforced uniformly,"

https://www.state.gov/reports/2025-investment-climate-statements/west-bank-and-gaza.

[16]U.S. Department of State, 2025 Investment Climate Statements: West Bank and Gaz, Ibid. UNCTAD, Occupation, Fragmentation and Poverty in the West Bank (Dec. 2024),https://www.un.org/unispal/document/unctad-report-05dec24/. (Accessed July 17)

[17] UNCTAD, same report, on Area C's role as an "adverse economic zone" and its effect on agricultural land and resources. (Accessed July 17); World Bank, West Bank and Gaza country overview, on the Palestinian Fund for Reconstruction and Development (PFRD) and the conditions attached to Gaza re-engagement, https://www.worldbank.org/ext/en/country/westbankandgaza

[18] On European port competition for the IMEC western terminal, see European Commission, “IMEC and European Connectivity Strategy,” 2024; Italian Government, “Via della Seta/Cotton Route Initiative,” 2024; and French Ministry of Foreign Affairs, “IMEC Sherpa Meeting, Marseille, June 2025.

[19] On TEN-T and CEF frameworks, see Regulation (EU) 2021/1153 of the European Parliament and of the Council of 7 July 2021 establishing the Connecting Europe Facility; and European Commission, “Trans-European Transport Network Guidelines,” Regulation (EU) No 1315/2013.

[20] "Spain, Morocco Move Closer to Building Strait of Gibraltar Tunnel," Morocco World News, April 10, 2026, https://www.moroccoworldnews.com/2026/04/286561/spain-morocco-move-closer-to-building-strait-of-gibraltar-tunnel/ (accessed July 17, 2026

يشارك

آخر التحديثات

28 يوليو 2026

الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا: رسم ملامح المستقبل على إرث تاريخي

خلاصة تسعى هذه الورقة إلى تحقيق هدفين رئيسيين: أولاً، تستند إلى تاريخ السكك الحديدية في الشرق الأوسط...

17 يوليو 2026

أهداف وسياسات دول مجلس التعاون الخليجي في مجال الطاقة المتجددة

التزمت 100 دولة، خلال مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ (COP28) الذي عُقد في دولة الإمارات العربية ال...

14 يوليو 2026

مبادرات الأمن الغذائي لدول مجلس التعاون الخليجي
من مؤتمر الأطراف الثامن والعشرين إلى مؤتمر الأطراف الثلاثين

بحسب منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، يعني الأمن الغذائي توفير إمدادات غذائية كافية وآم...

bottom of page