فراغات السيادة وإحياء الوصاية الدولية: نحو آلية عالمية لإدارة فشل الدولة المزمن
13 أبريل 2025
بقلم الدكتورة نجوى السعيد
مع تفاقم أزمات الدول الفاشلة وتزايد التهديدات العابرة للحدود، عاد مفهوم الوصاية الدولية إلى الظهور في الخطاب السياسي والاستراتيجي، وإن كان ذلك بصورة حديثة تختلف عن نموذج ما بعد الحرب العالمية الثانية. تاريخيًا، نشأت الوصاية في ظل منظومة الأمم المتحدة لإدارة عملية إنهاء الاستعمار بطريقة منظمة وتدريجية، مع اعتبار حالات مثل فلسطين تحت الانتداب البريطاني وسوريا تحت الانتداب الفرنسي سوابق في هذا الشأن. إلا أن هذا النموذج تلاشى تدريجيًا مع صعود مبدأ تقرير المصير، الذي أصبح معيارًا أساسيًا في القانون الدولي.
مع ذلك، خلقت التحولات الجيوسياسية في العقود الأخيرة واقعاً جديداً ومعقداً. ففي كثير من السياقات، تآكلت الحكومات المركزية، وملأت الجماعات المسلحة غير الحكومية الفراغ، وتحولت أراضٍ بأكملها إلى بؤر للإرهاب والتهريب عبر الحدود والنزوح الجماعي. وتثير هذه التطورات سؤالاً معيارياً واستراتيجياً ملحاً: هل يستطيع المجتمع الدولي أن يسمح لدولة بالبقاء في حالة انهيار مطولة دون تدخل حاسم؟
رداً على ذلك، اقترح العديد من الباحثين وخبراء السياسات إطاراً أكثر واقعية، يقوم على تحديد مؤشرات محددة لما يُمكن تسميته بفراغ السيادة. ويسعى هذا المفهوم إلى وضع معايير قانونية وأخلاقية تُبرر التدخل الدولي أو الإقليمي المؤقت في شؤون الدولة. وتشمل هذه المعايير العجز التام عن توفير الأمن الداخلي؛ وانهيار الخدمات العامة الأساسية كالرعاية الصحية والتعليم والبنية التحتية؛ والانهيار الاقتصادي المزمن المصحوب بالفساد المؤسسي؛ وفقدان القدرة على اتخاذ القرارات السيادية لصالح جهات غير شرعية؛ وتصدير عدم الاستقرار إلى الدول المجاورة عبر تدفقات اللاجئين أو تهريب الأسلحة أو الإرهاب.
إلا أن تطبيق هذا الإطار عملياً محفوف بالتوترات والمعضلات. ولعل أبرزها الصدام المستمر بين مبدأ سيادة الدولة وضرورة المسؤولية الدولية لحماية السكان من الفوضى والكوارث الإنسانية. فكثيراً ما تعارض قوى كبرى مثل روسيا والصين التدخلات في الدول الضعيفة أو المتعثرة، لا سيما عندما لا تتوافق هذه الإجراءات مع مصالحها الجيوسياسية. علاوة على ذلك، ثمة قلق مشروع من أن إحياء نظام الوصاية قد يُستخدم كغطاء للاستعمار الجديد، حيث تستغل قوى خارجية الدول الهشة تحت ستار المسؤولية الإنسانية.
للتخفيف من هذه المخاطر مع تلبية الحاجة المُلحة للاستقرار، يتمثل أحد الحلول الممكنة في إنشاء آلية دولية أو إقليمية مرنة تحت رعاية الأمم المتحدة. ستُكلف هذه الآلية بإدارة الدول الفاشلة أو المُعرضة للفشل والتي تعاني من فراغ سيادي مزمن خلال فترة انتقالية. وتشمل ولايتها إعادة بناء مؤسسات الدولة الأساسية، وصياغة إطار دستوري جديد، والإشراف على انتخابات وطنية نزيهة، وتفكيك الميليشيات أو دمجها في هياكل الدولة. ومن الأهمية بمكان أن تُنفذ هذه الجهود بالتنسيق مع جهات فاعلة قادرة وذات استثمارات إقليمية، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر، في حالات كاليمن والسودان والأراضي الفلسطينية.
لا ينبغي النظر إلى إعادة صياغة مفهوم الوصاية في هذا السياق على أنها تنازل عن السيادة، بل كإجراء وقائي مؤقت لإنقاذها وإعادة تأهيلها. في عصر يتسم بتهديدات أمنية غير تقليدية وأزمات عابرة للحدود، يجب على المجتمع الدولي تبني أدوات مبتكرة توفق بين حماية كرامة الإنسان والحفاظ على السيادة الوطنية. ويكمن التحدي الأساسي في ضمان ألا تتحول هذه الآليات إلى أدوات للهيمنة، بل أن تعمل كمحفزات لبناء دولة مستدامة وتعزيز مرونة المؤسسات.



